صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

12

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

أمر أخص فإن كون الموجود فاعلا وغاية وغيرهما من المبادي على الإطلاق لا تحتاج إلى أن يصير نوعا خاصا طبيعيا أو تعليميا أو غيرهما وكل ما يلحق الشيء لا بواسطة أمر أعم ولا بواسطة أمر أخص فهو عرض ذاتي له والبحث عنه مطلوب في العلم الباحث عن أحواله فالبحث عن المبادي بحث عن الأعراض الذاتية للموجود المطلق المطلوبة في العلم الباحث عن أحواله وهو العلم الأعلى قوله ثم المبدأ ليس مبدأ للموجود كله إلى آخره هذا جواب آخر عن ذلك السؤال مبناه على التخصيص ولا حاجة إليه لما ذكرنا من الفرق بين كون الموجود المطلق ذا مباد وبين كون الموجود المطلق من حيث كونه موجودا مطلقا ذا مباد وهذا التخصيص لا يخلو عن تكلف فإن البحث عن مبادي الموجودات الواقع في العلم الكلي إنما يقع على وجه الإطلاق لا على سبيل التقييد بكونها مبادي لبعض الموجودات على أن البحث عن المقيد أيضا بحث عن المطلق لا على وجه الإطلاق بأن يكون الإطلاق معتبرا فيه فإن كون الموجود المطلق موضوعا للعلم لا ينافيه كون المبادي له من عوارضه ذا المبادي في الحقيقة مباد للأفراد والأفراد كلها من عوارض الطبيعة وكما أن أفراد الوجود كلا أو بعضا من عوارضه فكذلك مبادي الموجودات كلها أو بعض منها من عوارضه لأنها أيضا من أفراده والذي لا مبدأ له هو طبيعة الوجود من حيث هي هي حتى أنه لو فرض أن لكل موجود مبدأ وقطع النظر عن البرهان الدال على بطلان التعلم إلى غير النهاية لكان البحث عن مبادي الوجود بحثا عن عوارضه والتي يمتنع البحث عنها في العلوم من مبادي الموضوع هي مبادي مهيته من حيث هي هي لا مبادي أفراده وهاهنا لم يقع البحث عن مباد مهيته الوجود المطلق إذ لا مبدأ له ولا مهية له لأنه بسيط قوله ولو كان مبدأ الموجود كله لكان مبدأ لنفسه هذا إذا كان المبدأ واحدا بالعدد وأنت تعلم أن المبحوث عنه في العلم الكلي من المبادي ليس على هذا الوجه فلو فرض قولنا إن لكل وجود مبدأ لم يلزم منه إلا التسلسل لا كون الشيء مبدأ لنفسه ومثل هذا الاشتباه وقع لبعض أفاضل المتأخرين حيث قال وهو بصدد إثبات واجب الوجود من غير الاستعانة ببطلان التسلسل إنه على تقدير انحصار الموجودات في الممكنات لزم الدور إذ تحقق موجود ما يتوقف على إيجاد ما لأن وجود الممكن إنما يتحقق بالإيجاد وتحقق إيجاد ما يتوقف أيضا على تحقق موجود ما لأن الشيء ما لم يوجب لم يوجد وقال أيضا في وجه آخر ليس للموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه وبذلك ثبت وجود الواجب بالذات واعترض عليه بعض معاصريه في الوجه الأول أنه على التقدير المذكور يلزم التسلسل لا الدور وأقول إن الدور الذي يستلزم الفرض المذكور دور غير مستحيل إذ الدور المستحيل هو توقف الشيء بعينه على ما يتوقف هو بعينه على ذلك الشيء لاستلزامه كون شيء واحد بعينه سابقا على نفسه وأما الشيء الواحد بالعموم فذلك الدور فيه وذلك التقدم له على نفسه غير مستحيل فيه إذ الوحدة المعتبرة في جانب الموضع هي الوحدة الشخصية لا غير وإلا فلا استحالة في صدق المتقابلين على موضوع يكون وحدته وحدة بالمعنى لا بالعدد أو لا ترى أن قولك إن الحيوان يتوقف على المني والمني يتوقف على الحيوان وقولك إن الدجاجة من البيض والبيض من الدجاجة ليسا بدور إلا في اللفظ وكذا قولك إن الحيوان يتوقف على الحيوان لكونه متوقفا على المني المتوقف عليه ليس يوجب توقف حيوان بعينه على نفسه لاختلاف الحيثية وكلا الوجهين غير صحيحين وقوله ليس للموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ إن أراد به أن لا مبدأ له من هذه الحيثية كما هو الظاهر فذلك صحيح ولكنه غير ما يلزم من فرض أن كل موجود له مبدأ ولا من فرض عدم الواجب تعالى عن ذلك وإن أراد أن ليس للموصوف بهذه الحيثية مبدأ فهو غير صحيح إذ للوجود المطلق منقسم إلى ما له علة وإلى ما ليست له علة والمقسم يصدق على كل قسم فالموجود المطلق يصدق على الموجود المعلول وإن لم يصدق عليه ولا ينقسم إليه بقيد الإطلاق أو العموم كما لا يخفى قوله بل الموجود كله لا مبدأ له قد علمت ما فيه فلا حاجة إلى أن نعيده وكان كلام المستدل المذكور مأخوذ من هاهنا قوله إنما المبدأ الموجود المعلول فالمبدأ هو مبدأ لبعض الموجود قد علمت أنه لا حاجة إلى هذا التقييد والتخصيص في هذا المقام فإن المبدأ لبعض الموجود مبدأ للموجود المطلق وإن لم يكن مبدأ له من حيث كونه موجودا مطلقا وكذا قوله فلا يكون هذا العلم يبحث عن مبادي الموجود مطلقا منظور فيه لأنه يبحث عن مبادي الموجود مطلقا وإن لم يبحث عن مباديه من حيث كونه مطلقا فإن الموجود مطلقا لو امتنع لذاته عن كونه ذا مبدأ لما تحقق موجود معلول إنما الممتنع عن كونه ذا مبدأ هو بعض خصوصيات الوجود لا طبيعة الوجود مطلقا قوله كسائر العلوم الجزئية إلى آخره هذا مثال عنده لأن البحث قد يقع عن مبادي بعض أفراد الموضوع لا عن مبادي المشتركة لجميع أفراده ومثال عندنا لأن البحث قد يقع عن المبادي المشتركة لأفراد الموضوع كلا أو بعضا وللموضوع أيضا مطلقا لكن لا من حيث حقيقته المشتركة بين موضوعات المسائل ألا ترى أن كتاب الحيوان قد يبحث فيه عن مباد مشتركة لكل فرد ككون كل حيوان يتولد إما عن مثله أو غير مثله وكل حيوان له مبدأ حركة إرادية وذلك المبدأ جزء من أجزاء الحيوان مطلقا وإن لم يكن جزءا ولا مبدأ مطلقا للحيوان من حيث هو